حبيبي ...وماذا عن غربتي

 

ثائرة شمعون البازي/ السويد

 

رسالة الى حبيبي

حبيبي رسالتك أحملها بين ضلوعي, أحتضنها طول الوقت أقرأها أقبلها لتصلك أنفاسي. أجلس معها وحدي في غربتي كلما ضاقت بي الدنيا لأختلي بك ومعك لأبدأ بقراءة سطورها التي تنطق بكلمات كنا نرددها, ولتشع منها صوراً لأيامنا الجميلة فأتذكر خبر أستشهادك.

حبيبي كنت أود أن أعرف كيف مستك يد الغدر لتقتل روحك المحبة للوطن. نعم قتلت بيد غادر مملوء بالحقد والكراهية ليمزق جسدك وأجساد الأبرياء بمتفجراته.

أنا أندب حالي كيف لم أستطع أن التقيك قبل أن تودع الحياة. أتذكر كيف كان يشغلك ويشغلني همّ الوطن, نعم أعترف أني كنت ضعيفة ولم أقوى على البقاء.

ياحبي الذي حرمت منه..... لو تعلم كم هي سنوات الغربة طويلة. وأنا أقرأ رسالتك هذه كنت قد وعدت نفسي أن أرد عليها ولكن اللعنة على الغربة أخذت مني الراحة فتكاسلت كثيرا لأسمع بعدها خبر أستشهادك.

اليوم وبعد زمن طويل من الأغتراب أدركت بأن الحياة قادتني مجبرتاً ذليلةً لمصير مجهول.

أتذكر ذلك اليوم الذي خرجت فيه من بلدي العراق, تلفت حولي تمنيت في وقتها أن أجد أحداً يقنعني أو يمنعني من الخروج, ولكن لم أجد أحد يهتم لوجوي فالكل كان منشغلا بحاله, حينها تألمت وكان ألمي من أحساس غريب وهو إن خرجت فأني سأضيع كل شئ, حبيبي, طفولتي, شبابي, ذكرياتي,أقاربي, أصدقائي, أحلامي , بيتي , حديقتي , جيراني أشياء وأشياء كثيرة أخرى.

حبيبي سألتني مرة عن شعوري وأنا أغادر العراق, سأروي لك كيف ودعدت الوطن في اللحظات الأخيرة. وأنا أقترب من الحدود بدأت أعد الدقائق الواحدة تلو الأخرى وفجاءة سمعت السائق يقول لم يبقى لنا إلا القليل. أحسست بوخزة في قلبي وتمنيت لو أرجع, وفي تلك اللحظة صرخت توقف هنا من فضلك, نزلت من السيارة التفت ونظرت اليه طويلاً وتنهدت وكأني لن أراه مجدداً. حينها أقسمت بأني سأعود حتى لو كنت ملفوفة بكفني. وركعت على الأرض وقبلتها عشرات المرات وأنهيتها بقبلة طويلة وبعدها مسحت وجهي بتربتها الزكية وتحدثت اليها وأعتذرت لها لشعوري بالذنب لأني تخليت عنها وهي بأمس الحاجة لي, وبعدها صعدت الى السيارة لنكمل الطريق أخرجت دفتري وقلمي لأخط بعض الكلمات التي مازلت أحتفظ بها للآن.

وطني أعذرني لأني طمعت فيك فسرقت حفنه من ترابك المعطر بالذكريات المفرحة والمحزنة لأحملها معي وفي قلبي حزن عميق. أتعلم ياوطني أني مازلت أحتفظ بها في وعاء فخاري صغير كنت قد صنعته من طين تربتك ووضعتها في زاوية غرفتي وأحطتها بشموع من كل الوان طيفك الرائع . أركع عندها كلما ضاقت بي الغربة, أوقد الشموع لأصلي وأقدم لها القرابين, أجلس أمامها أحدثها عن قصص وذكريات حصلت معي وأحيانا أشكي لها همومي. أتمعن بها وأنا أذوب كذوبانها لأنها تحسسني كيف أحترق في الغربة وأنا بعيدة كل البعد عنك ياوطن. فأحس بدموعي تنزلق لتتحدى دموعها وكأني أقول لها أن أحزاني أعمق من أحزانك, هكذا مرت علي الأيام ياحبيبي.

ياعراق من بعدك مررت بمحطات, الواحدة تلو الأخرى ولكم من محطة توقفت فيها أنظر إليها بعيون تائهة, حائرة لأقول ياترى هل هنا ستكون غربتي وهل هنا سأعيش في منفاي. فنتوقف من جديد عند محطة جديدة, فتتعالى أصوات من داخلي مخنوقة لتقول ماذا فعلت ياثائرة؟ فالمحطات تمر وهناك من يبتعد وآخر يقترب ولا أحد يسمع أنيني. فأعيش أيامي وأنا سائرة نحو عالم مجهول لأعيش صراعاته.

هنا أبكي بصمت مميت...لأني فشلت أن أكون منها ولها, فكل مافيها لا يعود لي وكل مابي لا يعود لها. أختلي بنفسي لأبكي على وطن جريح الذي يحاول أن يضمد جراحه ومازال يضمدها, لأتساءل كم من جرح ستضمد ياوطن والى متى؟ فالسكاكين التي طعنتك كثيرة وعميقة.

وطني ماذا فعلت بنا لنعشقك كل هذا العشق, هل لأن أرضك أرضعتنا الطيبة؟ أم لأن ماءك سقانا من عذوبته؟ أم هواءك بعث فينا نقاءه؟ أم سماءك غطتنا بصفاءها؟ أم تاريخك خلد فينا عظمته؟ أم كل هذا هو فينا؟

لذلك لم أعد أستطيع أن أخفي حبي لك لأنه يفضحني. في غربتي أتغزل بك أمامهم, أحدثهم عنك, عن جمالك عن عذوبتك عن طيبتك عن تاريخك وعن خيراتك وعن تضحياتك, وأحدثهم عن شعبك... الشجاع, الصبور, الطيب, المعطاء, المضياف والذي يفزع عند الشدائد. كيف لا وكل مافيك رائع, قل لي كيف سأعيش وأنا أحمل لك كل تلك الأصوات التي صدحت بأسمك وتغنت بك, نعم أنها تصرخ من الأعماق لتقول لك, فارقتك وقلبي مكسور فأنا هنا كاليتيم أعاني. أعذرني ياوطني أطلت غيبتي ولكني أوعدك بأني سأعود..سأعود قريباً.