بين روحي وروحي

 ثائرة شمعون البازي

 

جاءتني متلفعةً بروحها التي أرهقها طول التأمل فيما آلت إليه الأمور تسألني  : كيف تريدينني أن أُصوِّر لك الحال يا صديقتي ثائرة وأنا الآن أعيش غربة مع الروح.....وشعوري بالوحدة لا يوصف وأتسائل كثيراً أين أنا وأين سأصل, وكيف سأعيش مع ذاتي الحائرة حتى بتلمس ابسط الأعذار لإقناع نفسي  بهذا الاغتراب ؟

الوحدة يا صديقتي ثائرة إحساس قاتل نعيشه جميعنا في دواخلنا حتى انه يشاركنا غذاءنا مرغمين ,  وإن لم يجد ما يشبع نهمَهُ يقتات علينا .

آه......  ! يا صديقتي إنه كالسم يندس في دمنا,  يداهمنا فجأة في وحدتنا وحتى لو كنا وسط الناس, ليأخذنا ويقودنا إلى عزلةٍ لا خلاص منها وتساؤلات لا أجوبة لها. وأعود وأسال بعد أن تعذرت عليّ الإجابة : لماذا أنا هنا ...؟

تذكرت أني كنت يوما أقرأ في كتابٍ سطوراً تحدثتْ ورسمتْ أن لكل واحدٍ منا كيساً يحمِلُه على ظهرهِ مُذ ولدتْه أمُه  إلى يوم يموت وفي كل يوم يمر يُلقى فيه  تفاصيلُ ما يعيشُه ومع مرور الأيام يمتليء حتى يكون وزرا ثقيلا لا طاقة له على حمله .

فتخيلي لو أن الواحد منا جلس وفتح كيسه ماذا سيجد فيه ؟

لذلك حاولت أن أفتح كيسي لأسترجع العديد من الذكريات ولأبحر في دواخل روحي التي أتعبها العوم في بحر الوجع محاولة أن أجد سبباً لشعوري بالوحدة والشعور بتلك الغربة في هذا العالم الذي يفترض أنني أعيش فيه كجزء منه.

عندما تعمقتُ في دواخلي استرجعتُ صوراً جميله من ذكريات الطفولة,  تلك الأيام التي حملت معها البراءَةَ واللعب والضحك والابتسامة وسط الأهل والأقارب, وتذكرتُ كيف تعديتُ مرحلة المراهقة  حتى دون أن أشعر بها لأني كبرتُ ونضجتُ بسرعة وتذكرت أيضا تلك اللحظة التي واجهتُ بها العالم الخارجي الغريب عني في أول يوم من تعييني في وظيفتي حيث أدركتُ قسوة المحيط الخارجي الذي أختلف كثيراً عن محيط بيتي.

 

وعيت على دنيا جديدة لأكتشف الفرق بينها وبين تلك اللحظات البريئة البسيطة وذلك الحب والسلام والطيبة التي تعلمناها من كل الناس الطيبين  والدي , الجيران , الأصدقاء  وحتى الذين لا تربطنا بهم معرفة  لا تجد فيهم إلاّ الطيبة والمحبة ولا تشعر بينهم بالخوف والريبة  عالمي الجديد المشبع بالقسوة والأحمال الثقيلة جعلني أتساءل هل حياتنا الجميلة انتهت؟...أم  أنها كانت مجرد حكاية وانقضت؟

في لحظةٍ  من لحظات غربتي المقيتة جلست هناك معهم ووسطهم , أتمعن فيهم جيداً , أصغي إليهم , اسمعهم  لكن همومهم لا تعنيني وأصوات ضحكاتهم لا تثيرني لأن ما يضحكهم لا يضحكني وهمومهم ليست مثل همومي. أحسستُ حينها أن غربتي غربةٌ قاتله يا صديقتي  الطيبة ... وأحسست بألم يعتصر في قلبي لأقول وأتساءل لماذا أنا هنا ؟ ولماذا جئت معهم؟ هل تصورت أني سأكون مثلهم؟

لا مستحيل لن يكون ذلك ....

أنا ابنةُ بغداد مدينة السلام , حبيبة الشمال والجنوب. أمنا يا بغداد لا تلومينني أني  تركتُ الوطن لأغترب لأعيش في عالم لا يعرف من أنا ولا يفهم معنى لأنيني حينما أئن.

حنيني وعجزي يقتلانني, غدوت بينهما كرةً يركلها الحنينُ بقدمه اليمنى لكن عجزي يركلها بقدم الشمال فيحليها  إلى لعبة فاشلة. يقولون لي ارجعي لكن كيف أرجع وقد ضاع كل ما لدي. الأهل موزعون في شمال الأرض وفي مغاربها ... يكلمونني, اسمع أصواتهم لكن ليس لي برؤيتهم ..لا أدري هل تبدلت صورهم أم مازالت تحمل تلك الملامح البغدادية المعبرة عن النظارة والحيوية ؟   تعودت أن أكون ملك نفسي وأعيش بكرامتي, فكيف أرجع ولا مكان يحويني. لا أريد أن أذل في بلدي حينها تذكرت كم منا بهذا الحال وكم منا يرغب بالرجوع لكن يقتلنا ما يقتلنا من العجز والضياع بين اللا أمل.

فأرتعش بدني وانهمرت دموعي وقلت مع نفسي أنا أعيش غربتين غربة مع وجودي هنا وغربة مع الروح........................... ولما  انتبهتْ رأتني أتابع تعابيرَ وجهِهِا باندهاش . مسحتْ دموعها استأذنتْ مني .نهضتْ وقالت لأرجع إلى داري ولأقول مع نفسي لن أستطيع الانتماء إلى هؤلاء, فهم من ثوب غير ثوبي. لكن سأسابق الزمن...وأتصارع مع الغُرُبات  محاولةً جمع شتاتي...لأثبِّت كياني ...لأكتشف المزيد  و لأتبين من أكون...........!!!!!!!!