هي واللعبة/ قصة قصيرة

بقلم: ثائرة شمعون البازي

 

جلست والحيرة تغمرها في هذه الأيام التي تسترجع فيها صوراً وذكريات قريبة الى نفسها، وظلت تردد مع نفسها: لست كبيرة  في السن كي أتشوق لكتابة مايجول في ذاتي ؟ فانا مازلت في الثلاثين من عمري، وكثيرا من الأماني ما زالت مؤجلة حتى هذه اللحظة بانتظار انبثاقها. إذن ما الذي جرى كي تسترجع ذاكرتي  هذه الصور والذكريات المزدحمة في مشاهد وكأنها تعيش معي بكل تفاصيلها ؟ عصرت صدغيها بيديها الرقيقتين، وتعمقت فلم تجد مسوغا واحداً سوى أنها كانت ومازالت تعيش مع ماضيها طوال هذه السنوات، وطالما كان هناك شعورا داخليا  يلح عليها بأن تنقذ نفسها السجينة من الماضي وذكرياته، بأبسط السبل كأن تتحدث لصديق أو صديقة أو تكتب على الأقل انفعالاتها وأحاسيسها إزاء تلك الذكريات لتتخلص من ثقلها ، وفضلت في نهاية الأمر الكتابة وأحست بأوان البوح ولو بالنزر اليسير، إلا أنها  ترددت  كثيراً قبل أن تبدأ فجلست ممسكة بورقة بيضاء والقلم بين أصابعها محاولة ترتيب أفكارها واسترجاع ذكرياتها،  فتزاحمت الأفكار وغطت في سبات عميق من التفكير، واحتارت من أين تبدأ وعن ماذا ستتحدث، وطال الوقت معها لتقرر في النهاية كيف ستكتب وتسلسل الأحداث.

 

بدأت أمل تخط أولى كلماتها لتروي تلك التجربة وبدأت سطورها باستعارة اسم آخر للتخلص من فضول القارئ فيما لو حاولت نشرها في أي صحيفة  أو كتاب أو لسبب آخر ربما ظل طي الكتمان ، إلا أنها في كل الأحوال أمسكت قلمها وبدأت الكتابة:ـ

((كانت ندى طفلة في السادسة من عمرها،  تعلو ملامحها البراءة وأبتسامة جذابة، وكان بها شيئا من الغرور حتى هي نفسها لم تجد له تفسيراً ، ولم تعرف  لماذا وكيف تملكها هذا الغرور؟!!  لربما كانت تحس بعظمة حب والديها لها ، وتعلق أخاها الصغير بها، ويبدو أنها استطاعت أن تجعل هذا المبرر من ضمن المبررات التي جعلتها تعيش حالة الأعتزاز بالنفس وتمتلك تلك الصفة... صفة الغرور!!.))

 توقفت أمل عن الكتابة قليلا وأحست أنها بحاجة إلى فنجان من القهوة  فنهضت وقد ارتسمت على محياها بشاشة وسعادة داخلية  طفحت لتعطيها رونقا في تلك اللحظة، وكانت تسير بسرعة متجهة نحو المطبخ وكان الكلمات ستهرب  منها فيما لو تأخرت، فعادت مسرعة وكأن فنجان القهوة سيعطيها قوة في التركيز والتذكر والكتابة أكثر.وبعد أن تناولت قهوتها عادت مرة أخرى للكتابة بشوق ولهفة :

((تذكرت ندى إنها انتقلت وعائلتها من بيتهم القديم الى البيت الجديد الذي استأجره والدها من شخص كانوا ينادونه (أبو محمود). وتذكرت كم كان البيت ذو الطابقين كبيراً وواسعاً وتحيطه الحديقة من ثلاثة جهات، وكان للمؤجر بيتا آخر يسكنه مع عائلته وكان ملاصقا لبيتهم الجديد. كان أبو وأم محمود من الناس الطيبين ، وهما أبوان لأحد عشر ولداً وبنتاً وكان محمود أبنهم الأكبر ، وكان يساعد والده بالعمل وكانت أمه تحمل في جنباتها الحنان والطيبة ، وهي ربة بيت بسيطة ، همها الوحيد هو البيت ومتطلبات الأولاد وأبيهم )).

وهنا وضعت أمل القلم جانبا ورفعت يديها المتشابكتين إلى الأعلى مقارنة في داخلها بين بساطة الماضي وتعقيدات الحاضر ، ولكنها رجعت ومدت يدها إلى قلمها بسرعة وأحست بوخز في ذاكرتها فكتبت:

((وتذكرت ندى كيف نشأت علاقة جار بجاره، وكيف ارتبطت العائلتين بعلاقة طيبة فكانت أم محمود ترسل خبزاً حاراً لجارتها أم ندى كلما خبزت لأهل بيتها ، وكانت ام ندى ترد بالمثل فترسل شيئاً من المعجنات أو الطبيخ  العادي الذي تطبخه للأولاد وأبيهم.  وهكذا توطدت العلاقة بين الجارين حتى سمح للأولاد في النهاية أن يلعبوا مع بعضهم دون خوف أو نحاسه أو زعل، وإنما البراءة التي تستبطن محبتهم لبعضهم كانت هي المسيطرة على أجواء الطفولة، فكانت ندى وأخيها ذاكر وهو في الخامسة من عمره  قد عاشا ذكريات جميلة حيث كانا يقضيان معظم أوقاتهما  في الحديقة يلعبون العابا معتادين عليها أو يخلقون ألعابا جديدة، ولساعات طويلة دون أن تحس أمهم أية خطورة عليهم.))

 

وفجأة انتاب أمل الم حاد في رأسها وقد استضافت ذاكرتها أمورا مؤلمة حصلت لها في ذلك البيت الجديد ، إذ عصفت بحياتهم ضائقة مادية بعد سنة من استئجارهم البيت ، فتذكرت كيف كانت تمر  لحظات التوتر التي تحصل بين والديها والمشادات الكلامية التي تصل  إلى حد الصراخ، وتذكرت تلك اللحظات التي  تعالت بها أصوات الغضب وهي تخرج من فم والدها لتصل أحيانا  إلى الشتم والتهديد والضرب. كما تذكرت صورة والدتها المنكسرة والمحطمة نفسيا ، فلو ان والدتها لم تكن ربة بيت لربما استطاعت أن تقضي على كثير من المشاكل مع زوجها ، ولكن ماذا تفعل وزوجها هو الذي طلب منها  ترك الوظيفة والتفرغ إلى الأمور البيتية،  وتذكرت كيف كانت تخف تلك التوترات بعد كل مشادة تحصل بينهما، إذ يرجعان إلى علاقتهما الطبيعية وفي أوجها ؛ بسبب حبهما الشديد لبعضهما. ولكن هل كان على أمل في ذلك العمر أن تبحث لسبب عما يحصل بين والديها ؟ وهل كان الوالدان يعلمان بتأثير تلك الصراعات على اولادهما؟ لتترك أمل السؤالين بدون إجابة وعندما تتذكر أمل تلك الصور ينتابها الحزن... حيث عاشت هي وأخاها لحظات الخوف والقلق كلما بدأت المشاحنة بين الوالدين.

توقفت أمل لحظة وهي تفكر بالقارئ ، وتساءلت : ما ذنب القارئ ودوامات ندى التي عاشتها منذ الطفولة ؟ ربما سينفر من قصتي قراء كثيرون اذا ظلت جملي خالية من الصور الجميلة والأكثر إشراقا، وفجأة تذكرت حكايتها مع لعبتها الجميلة فأخذت القلم مرة أخرى واستمرت في تكملة قصتها .

((من أجمل ذكريات ندى التي ظلت عالقة في ذهنها هي تلك البدلات التي خاطتها والدتها لها ولأخيها، والذي جعلها لا تنسى تلك الملابس هو كونها بدلة بحارة , تلك البدلة الناصعة البياض والمزينة بأشرطة زرقاء وعلامة البحارة على الجانب الأيسر من القميص وأيضا تلك القبعة المدورة والتي لم تختلف في بياضها عن البدلة وكان يحيط بحافات القبعة شريطان ازرقان  متوازيان حولها ليتنهيا في النقطة التي بدأا منها، وقد تدليا بضعة سنتمترات عند نهايتهما من الرأس,  والأختلاف الوحيد بين البدلتين أن الجزء الأسفل من البدلة لندى كانت تنورة بيضاء بكسرات عريضة تلحق بعضها، بينما لأخيها كان بنطلون قصيراً. وتذكرت ندى كيف كان ينظر الناس اليهما بأعجاب ومحبة عندما كانا يرتديان بدلتيهما ويمسكان بأيدي بعضهما وبيد والدتهما, كانا يملكان شعورا جميلا وزهوا بأنفسهم كونهم يرتدون تلك البدلات وكأنهما حصلا على مرتبة شرف من طاقم البحارة)).

تركت أمل قلمها فوق الورقة وتنهدت وكأنها أنقذت نفسها من شئ كان يخنقها ويشعرها بالخوف لتقول مع نفسها مالخطأ الذي ارتكبه عندما أبوح بشئ من طفولتي؟ لترد قائلةً بالطبع لا يوجد اي خطأ. وقررت أن تأخذ قسط من الأستراحة لتعمل لها فنجان من القهوة مرة ثانية وأرتشفت منه رشفات صغيرة وبكل هدوء غطت بتفكير عميق مرة أخرى، وتساءلت كيف ستبدأ سرد قصة ندى ولعبتها,  وضعت فنجان القهوة بسرعة وكاد أن يسقط منها عندما هطلت عليها الكلمات كالمطر واخذت قلمها من جديد لتكتب :ـ

((كان في المنطقة التي تسكن فيها ندى رجل عجوز يبيع الخضراوات وكان ينادونه أبو فاضل، وكانت شخصيته لطيفة ومرحة فهو يتغزل بكل قطعة من الخضراوات ويتغنى بها وكانت لطريقته الجميله هذه تأثير سحري على الناس فتجذبهم والبسمة تعلو شفاههم ،وحتى لو إنهم لم يكونوا بحاجة لشراء شئ كان لخاطر تلك الروح الطيبة تنحني الرؤوس احتراما له ولشخصه فتمتد الأيادي وتلتقط  شيئا  بسيطا من هنا وهناك ولتتسوق منه.

كانت ندى ترافق والدتها معظم الأوقات ،وكانت تحب أن تساعدها في التقاط بضع قطع من الطماطة والخيار والباذنجان وتذكرت تلك الملاحظات التي كانت والدتها تعطيها إياها في كيفية أختيار المناسب منها أعتمادا على شكلها الخارجي ولونها وطراوتها.

وفي يوم ما ذهبت مع والدتها لتتسوق احتياجات البيت , ومرّتا على محل خضراوات محل أبو فاضل، وعندما وصلتا المحل صدمت ندى وبقيت مصلوبة في مكانها وهي تنظر إلى  تلك اللعب الجميلة التي علقها أبو فاضل في محله للبيع، وتذكرت أن والدتها مازحته قائلةً : ماذا يا أبا فاضل هل  ستشتغل بالتجارة؟  وهل ان بيع الخضراوات غير مربح؟  فضحك  ابو فاضل ورد قائلا:  لا والله ولكن الإنسان بطبعه يحاول أن يستفيد كلما تهيأت له فرصة الربح. إلا ان ندى بدأت نظراتها تتنقل من لعبة الى أخرى ومن دمية الى أجمل منها, وكانت الدمى  بأشكال وأحجام وألوان جميلة، وحين أنتهت والدتها من التسوق،  وودعت صاحب المحل ونادتها لتلحق بها، إلا أن أمها وبعد أن سارت  بضع خطوات التفتت واكتشفت أن ندى لم تلحق بها, نادتها ندى تعالي فلم تستجب لندائها ، و صرخت أمها بها تعالي  فرفضت, لترجع خطواتها التي خطتها وتقف الى جوارها وتسألها ما بك؟

وفجأة قالت ندى :أريد تلك الدمية .

قالت امها لا أستطيع الآن, علي أن أسأل والدك

فردت عليها ندى : وما علاقة والدي بهذا ؟

فقالت لها امها :اللعبة ثمنها غال وأنا ليس معي نقود تكفي لشرائها.

وهنا تدخل أبو فاضل ليقول خذيها وأدفعي لي بالأقساط, فشكرته والدتها ورفضت ساحبة إياها  من يديها لتلحق بها الي البيت وتذكرت ندى كيف أنها بكت كثيراً وبقت أياماً طويلة تنتظر والدتها أن تقول لها شيئا بخصوص الدمية ، وهل سألت والدها أم نسيت الموضوع كله؟. ومرت عدة أيام ولم تسمع منها أية إجابة وداهمها المرض بسبب ذلك ، وبقيت أياما لا تكلمها وعندما تسألها:  ماذا بك؟ تعتذر لها بأسباب واهية كأن تقول لها أحس بوجع في رأسي أو في بطني وما شاكل ذلك.

مرت الأيام وأدركت إنه محال أن تحصل على دميتيها وأستسلمت للواقع ورجعت لطبيعتها ولكن بقي الألم يعتصر داخلها وحين ذهبت معها مرة ثانية لمحل الخضراوات لم تجد من الدمى الجميلة إلا قطعة أو أثنتين، حزنت ندى كثيراً وربما أحست والدتها بألمها  فأرادت أن تخفف عنها فسألت البائع أبو فاضل: هل في نيتك أن تجلب لعب جديدة أخرى ؟ فردَ ضاحكاً نعم وأجمل من التي سبقتها وهنا شعرت ندى بالسعادة وهي تغمرها، ورددت مع نفسها: أذن ستكون هناك دمى أخرى و سيكون لي واحدة وإلا لماذا سألته والدتي؟  وحين ابتعدا قليلا عنه سألت والدتها هل معنى ذلك إنك ستبتاعين لي واحدة ؟ إبتسمت والدتها قائلة : إن شاء الله ولكن أود أن أقول لك شيئا أن اللعبة سعرها ليس بالرخيص، وقررت مع نفسي أن أجمع قليلاً من مصروف البيت وأضعه على جانب، وهنا ضحكت ندى واحتضنت أمها  بقوة.

 

في اليوم ذاته الذي لا أذكر تاريخه،  كانت ندى تلعب مع أخيها وسمعت صوت والدتها يناديها وحين وصلتها وجدتها جالسة قرب والدها، فسألتها : هل تعرفين ماهو هذا اليوم؟ قالت لا أدري , قالت أنه يوم عيد ميلادك فأحتضنتها وقبلتها وفعل والدها الشيء ذاته فقالت والدتها انتظري لحظة فذهبت لتعود وبين يديها كيكه جميلة مزينة بالشموع وهي تنشد عيد ميلاد سعيد وكان أخوها الصغير يسير وراءها ويردد معها  أغان طفولية.  أطفأت الشمعة وتناولوا الكيك وفي تلك اللحظة كان أخوها قد أختفى للحظات وعاد ، وبين يديه علبة كبيرة مغلفة بغلاف جميل ومزين بأشرطة جميلة وقدمها لندى وكم كانت فرحتها كبيرة وشوقها لمعرفة ما بداخلها وحين إنتزعت الغلاف وجدت أجمل فرحة في هذه العلبة أنها دميتها التي تعلق قلبها بها عند أول زيارة لها مع والدتها  وأدركت أن والدتها أشترتها وخبأتها لتكون مفاجئة لها في مناسبة عيد ميلادها, فركضت اليها وقبلتها وقبلت والدها وشكرتهما وحملت دميتها وكلمات والدتها ترن في أذنها ( (اللعبة غالية وعلي جمع نقودها من مصروفنا اليومي) )

وضعت أمل القلم جانباً وغطت في تفكير عميق