طريق هجرتي..../نص قصصي

 

بقلم: ثائرة شمعون البازي

 

أيقظتني حركة الطائرة المتذبذبه...لأفتح عيني ولأتلفت حولي وتساءلت مع نفسي هل هناك شئ غير طبيعي؟

لحظات مرت سريعة وانا اختطف النظرات هنا وهناك, لم اجد شيئاً يزعج الآخرين... فأطمأنت نفسي لأقرر أن أفتح غطاء النافذه التي بجواري لألقي نظرة الى الخارج ومنذ الوهلة الاولى شاهدت...اجمل ماخلق ربي.

الطائرة...تشق طريقها بين غيوم ناصعة البياض, والسماء صافية من فوقنا.

كانت الغيوم تتراقص حولنا وتخيل لي إنها تارةً تلوح مرحبة بنا وتارةً أخرى مودعة إيانا, شكلت لوحاتاً واشكالاً فنية لم ارى مثيلا لها كأنها صنعت ونحتت بيد فنان.

ولكي اسلي نفسي بدأت اتصور اشكالها الجميلة, فهذه كالملاك..وهذه كطفل يركض..وتلك سفينة متحركة وتلك امراءة وشعرها المتطاير.

 اخذتني افكاري بعيدا...بعيدا وتذكرت كم مرةً اخذتني مثل هذه الرحلات وكم من الذكريات تركت لي.

 وتذكرت تلك اللحظة اللعينة التي قررت بها الهجرة وعبر عالم التهريب المجهول الذي سأسلكه وطرقه الملتوية, وتحمل مهرب مجنون واوامره اللعينة. فطريقي غير معروف وخوفي من كثرة خفاياه.

كان الخوف والرعب يلازماني في كل الخطوات ومشاعر كثيرة تتخبط في جسدي, اين المفر من طريق بدأته؟

فالطائرة مجهولة الاتجاه, وكل الوقت كنا تحت مطرقة الخوف وسندان القلق, وكل حلمي الوصول الى بلد العجائب .

تنبهت على صوت المضيفة لتناولني وجبة الطعام وعصير الفواكه. تعدلت في جلستي لأتناول طعامي وبعد أن أكملت عاودتني الافكار من جديد الى اللحظة التي قررنا فيها أنا وزوجي السفر من العراق للأستقرار مؤقتا في أحدى الدول العربية.

 

تذكرت عندما كنت في زيارة ابنة خالتي ووجدت ان مؤجرة السكن كانت جالسة بكل راحتها وتتكلم في كل المواضيع وابنة خالتي المسكينة تحاول مجاراتها خوفا من غضبها لأنها إمراءة شريرة وفضولية وخوفها الدائم من ان تقوم بأجبارهم على ترك الدار المستأجرة, وكان هذا حالي ايضا وانا استمع الى تجاريح الواحدة بعد الاخرى. وفيما نحن جالسون ظهرت حشرة من تحت الكرسي التي كانت المؤجرة جالسة عليها وهنا صرخت والله ياعراقيين حتى الصراصر جلبتموها معكم, وهنا جن جنوني وحاولت ان اصرخ  فمنعتني ابنة خالتي, أردت بعدها الأستئذان للأنصراف ولكن إبنة خالتي  إستوقفتني, جلست والدماء تغلي في عروقي واخذتنا احاديث اخرى عن وضع العراق والحرب التي جرت وتأثيراتها وتطرقنا في حديثنا إلى احوال العراقيين في العراق وفي الدول العربية واذا بها تفوهت بعبارة وبصوت واضح وبكل ثقة لولانا نحن (وتعني العرب) لمات العراقييون من الجوع وهنا جن جنوني وفقدت السيطرة وبدات العن اليوم الذي خرجت من بلدي.

 

في تلك اللحظة أبتسمت ولا أعرف حتى لماذا ومن ثم عاودت النظر الى شباك الطائرة محاولة ان انسى هذا الحدث وهذا الحديث. ولكن أسترجعتني ذاكرتي لتلك اللحظات التي عشناها في ذلك البلد العربي.

 

تذكرت عشرات العوائل العراقية التي سكنت هناك والتعب قد غطى وجوههم والفقر اهلكهم ومراجعة السفارات اخذت من قواهم فالوجوه تغيطها المرارة والحزن, فهم اتوا قبل سنوات متأملين خيراً, ولكن لا مفر من وضعهم هذا فهم لا يستطيعون الرجوع بعد إنفاق مالديهم ولم يكن ايضا وضع العراق يسمح لهم بالرجوع.

إعتصر الألم قلبي عندما تذكرت تلك الأيام السوداء التي جعلتنا لا ننام الليالي بطولها لنقرر السير إلى ذلك المصير المجهول وغير مدركين اي جلاد سيقودنا الى المشنقة وباي طريقة سنشنق.

في تلك الايام الطويلة كنت أركع باكيةً كل يوم واصلي واطلب من الرب للخلاص من هذه الازمة.

لم يكن أتخاذ القرار سهلا فالتساؤلات كانت بلا اجوبه, مع اي مكتب تهريب سنتعامل؟ وهل سيكون صادقاً معنا؟ ام أن نقودنا ستذهب في خبر كان ؟

جلسنا ليالٍ وليال نتناقش دون ان نستطيع اتخاذ القرار ومما زاد الطين بله أنه في كل يوم يأتينا خبر أو قصة مرعبة ولكن الشئ المتشابه في هذه القصص أن أبطالهم ابناء العراق الذين أبتلوا بمصيبة هذا الدهر. كنا نسمع بين الحين والآخر عن عوائل خرجوا دون وداع وكنا نحزن جدا مع علمنا بالسبب فالجميع كان يعمل في سر وغموض وكل واحد كان يفكر أن ينقذ نفسه اولا.

وتمر الأيام ليأتينا بالأخبار اللعينة الواحد تلو الأخر. فذاك الذي إكتشفه البوليس في المطار وأعادوه الى العراق, وذاك الذي تركه المهرب في تلك الدوله بدون جواز أو نقود ولا يعرف ماذا يعمل, وغيرهم كثير.

كان الحال هكذا, العوائل تتزاور وتتكلم عن المهربين وعن المكاتب الموجودة وكل مكتب وطريقته والطريق الذي يسلكه والمبلغ المطلوب بالدولار.

 

وجاء اليوم الذي سأخرج به أنا وأبنتي ذات الخمس سنوات تاركة زوجي واولادي الأثنين في حمايته ولا اريد ان اتذكر ماجرى فأنه يؤلمني ولكن كل مااعرفه أن الوسيلة لم تكن سهلة ولا الطرقات آمنة وكل ماأريد قوله كنت في كل لحظة رعب أمر بها, أرفع عيني الى السماء لأقول يارب أحمينا من اي أذية لأجل أولادي الذين تركتهم في الغربة ولكي أوصلهم الى بر الأمان.

فقد سلكنا عدة طرقات ونزلنا في عدة مطارات وكان الخوف يلاحقنا في كل لحظة من مهرب قد يتخلى عنا في اية لحظة.