أنا أقوى مما تظن /قصة قصيرة

بقلم: ثائرة شمعون البازي

 

تعودت لطيفة يومياً أن تستقل قطاراً من المدينة التي تسكن فيها الى مدينة أخرى تبعد مسافة أربعة أميال عن مدينتها لتحضر محاضرات الجامعية. كان الوقت يسير سريعاً  كل يوم دون أن تنتبه لذلك, وحتى لم تنتبه لما يجري من حولها فكان همها الوحيد أن تصل في الوقت المناسب.

وفي الحقيقة كان هذا الصباح مختلفا قليلاً نوعاً ما, وذلك لأنها كانت قد وصلت مبكرة وكان لديها من الوقت الكافي لتسترخي في السير ولتمتع نفسها بالنظر الى كل ركن وزاوية وكل شئ تمر من قربه أو جانبه لتكتشف هناك الكثير من المعالم التي لم تنتبه لوجودها سابقا.

 

ففي زاوية الشارع شاهدت حانة صغيرة قد امتلكت ذلك الركن فالبناء كان طرازه قديم وتقع امام الحانة فسحة ضيقة تمدد على امتداد الحانة وقد أحاطها سياج خشب واطئ الأرتفاع ليفصلها عن حافة الشارع. في الفسحة صفت عدد من المناضد وقد غطت وجهها بشراشف أحمر داكن وصف حولها كراسي تنتظر الزائرين لها وإن مررت من جانب الحانة سيأتيك روائح القهوة والمعجنات وحاولت لطيفة ان تسترقي النظر الى داخل الحانة فأعترضها العامل الذي خرج فجاءة من الحانة ليملأ فتحت الباب فأبتسم لها لأنه أحس بفضولها وحياها برأسه أبتسمت لطيفة وحيته وبداءت تسرع من خطواتها لأنها أحست بالحرج.

أكملت لطيفة سيرها لتجد بناية قديمة تحتفظ بنقوشها الرائعة التي نحتتها يد الأنسان قبل عشرات السنين وكأنها ترفض أن تصل اليها يد أخرى قد تؤذي معالمها, أما تلك البوابه الحديدية التي كانت واقفة في شموخ لتحرس تلك البناية العاليه الجميلة والتي لم تستطع معرفة معالمها إن كانت من طراز قديم أو حديث.

 

ومن ثم مرت من فوق جسرا صغيرا يطل على مجرى نهر صغير وكانت قد مرت من فوقه مرات عديدة دون أن تنتبه لذلك المنظر الجميل الذي خلقته الطبيعة وتناولته يد الأنسان إلا وهو ذلك النهر الجاري.

عند الخطوات الأولى فوق الجسر أحست لطيفة بشئ يجذبها بل ويناديها ليستوقفها هل كان ذلك حقيقةً أم وهماً لا تعرف؟ الماء الجاري في مجرى النهر يشدها لتقترب من سور الجسر وتنحني لتتمعن بالمنظر للمرة الأولى لتكلم نفسها وتقول يارب ماهذا الجمال؟ 

رفعت لطيفة نظرها لتلقي نظرة على جانبي النهر فوجدت في إحدى جانبيه رصيف من الأسمنت قد صبه الأنسان من زمن بعيد وأهمله بدون عناية, ليأخذ لونا داكنا ويعطيك شعورا غريبا لم أستطع تفسيره ولك أن تحس برائحة العفونة لتشمئز منه ليدفعك أن تبحث عن شئ آخر يلهيك فترفع نظرك الى الأعلى لترى تلك البنايات العامودية القديمة الخالية من الحياة والتي تلاصقت ببعضها وكأنها ترمي أثقالها على بعضها البعض فقد توشحت بالوان قاتمة لقدمها, عندما تطيل النظر اليها تحس بذلك الحزن المقيت فيها وكأنها تتوسل بك أن تضع حداً لعذابها ولتقول لك أرجوك الغي كياني فقد تعبت من الزمن وآن لي أن أرتاح فالألم قد أضناني. فتمتمت لطيفة مع نفسها لتقول يالقساوة البشر؟

ومن ألم أعتصر قلبها أدارت وجهها للجانب الآخر من النهر فوجدت أشجاراً متراصفة ومتشابكه لتحتضن كل منها الأخرى لتتمايل ولتتباهى بقاماتها الخضراء لتهدينا ذلك الجمال الخلاب الذي أهداه الرب لنا دون أن نعتني به أو نعير له أهمية, بل تركت لتعتني هي بنفسها.

عاودت لطيفة النظر للماء فأثارتها تلك الأمواج المتحركة, كانت بطيئة ومتشابكه تتدافع بشكل أقواس صغيرة تلحق ببعضها البعض وكأن واجباً قد فرض عليها أن تصل الى الجانب الأخر. وتساءلت من أين تأتي هذه القوة وما يحفزها أو حتى يحركها.

 

وهناك وفي لحظة التأمل وهي تتمعن بالماء وتموجاته أحست بأنه يريد أن يقول لها شيئاً لكنها لم تستطع فهم مايريد قوله. فوجدت نفسها تسأل في صمت ...ماذا تريد مني؟

راودها شعور وكأنه رد قائلاً تعالي وأرمي همومك عندي فأنا أراك محمله بالهموم والأثقال. وبدأ حوار صامت بينهما لترد عليه قائلةً وماأدراك؟

وفي تلك اللحظة إنتابها شعور غريب لتسمع صوتاً يصرخ من داخل النهر هيا أرمي بنفسك وأسبحي لربما

يخفف هذا عنك! تراجعت وأبتسمت وقالت هذا الجنون بذاته فأنا حتى لا أعرف السباحة.

وقررت لطيفة أن تكمل مسيرها لتأخذ خطوات اخرى وهي تحاول أن تودعه فالقت عليه النظرة الأخيرة, لكنه كان مصرا وأبى أن يتركها ولم يكف عن مشاكستها فمازالت هناك قوة سحر تجذبها اليه فتراجعت وعادت أدراجها ووقفت عنده من جديد لتنظر اليه وتخيل لها هناك عينان كبيرتان تحدق بها, أحست حينها أن عيناها بدأءت تذبل, لتسأله بهدوء ماذا تريد مني؟

فأجابها تعالي الىَ ياغالية فعندي ستجدين الراحة الأبدية وستنسين كل جوارحك.

قالت: ـ  ماذا؟ هذا الجنون بعينه وماذا عن الذين يحبونني

ضحك هازئا....... من تعنين؟  أنا وحدي حبيبك.

قالت: ـ لا بالطبع أنا عنيت  أهلي وأحبتي وأصدقائي, نعم لربما أنا مثقلة بالهموم ولكن ذلك لا يعني أن اتنازل عن حياتي.

قال: ـ لن تجدي من يسمعك فالكل منشغل.

قالت: ـ وإن كان... فمن قال أني سأجد الراحة الأبدية عندك, دعني وشأني.

وقبل أن أرحل دعني أقول لك شيئاً عرفت عنك الجمال الآخاذ وعرفت أيضا كيف تغدر كغدر الزمان فأتركني وأبحث عن ضحية أخرى قد تستطيع إغوائها فأنا أقوى مما تظن.

 

وتركته لتكمل مشوارها ولتصل قاعة المحاضرة ولتبدء يوماً جديداً قد يعطيها شيئا أو ياخذ شيئا منها.