الى الحبيب الذي تحدى الصعاب رداً على رسالتك

ثائرة شمعون البازي

تنهدت كثيراً عندما وقفت عند سطورك لأقرأ كلماتك التي جعلتها أوسمة فاخرة تعلو على صدر حبيبتك المهاجرة، أتعلم كلماتك أعادت إلى ذاكرتي لحظات وقوفي قرب البحر حيث شغل ناظريّ أفقه المجهول, ذلك الخط الوهمي بسره العميق، ذلك البُعد البعيد، تلك الحدود الأسطورية التي يلتقي بها البحر مع السماء ليحتضنها بقوة دون فراق.

نظرت وأطلت النظر إليهما, حتى تخيلت سراً غامضاً يناديني, يتحدث إلي, يدغدغ أعماقي, فراحت روحي تبحر نحو ذلك المجهول الذي جذبني بقوته الرابضة في داخلي.

لربما كان ذلك وهماً ولكني ارتضيته وأقنعت ذاتي به , أقنعتها حقاً بأن هناك من يناديني .

بدأت البحث عما في داخلي لأبوح بما يكمن في أعماقي، انتابني شعور أن أرمي بنفسي إلى أعماق البحر، حتى إني لم أعرف سرّ تلك الرغبة ؟

لربما ما زلت أبحث عن الغموض الذي سكن روحي ولم أدركه بعد، وبدلاً من أن أهوي بجسدي وقفت هناك، بل تسمرت في مكاني، ولكن إدراكي الباطني قادني إلى وهم ٍ صوّر لي غوصي في أعماق البحر لأبحث عن ذلك الشيء كي أعثر عليه، ورحت أمني النفس لربما حين يعترضني سأكشف حينها السر.  أمني نفسي بأن هذا الصيد الثمين هو ما  كنت أبحث عنه,  وهذا الذي جعلني أجرؤ في تحمل أعباء الأمواج لأغوص إليه.

ولكن بعد دقائق معدودة أكتشف أني مازلت أقف في مكاني وكل ما دار في خاطري كان وهماً , كانت روحي التائهة هي التي نادتني وقادتني إلى تلك اللحظات.

واليوم وأنا أقرأ رسالتك كنت على يقين أنك في بحثك عن حبيبتك تلك تشبه ذلك الشيء الوهمي الذي حاولت أن أبحث عنه في الأفق وفي أعماق البحر.

 

إلى الحبيب الذي تحدى الوجود بوجوده

إلى الحبيب الذي نادى فسمعته

أكتب رسالتي هذه بعد أن غصت في أعماق كل كلمة كتبتها، أحسست بألم لم أعهده بك من قبل, وتنهدت... ياه ، يا لحجم الألم الذي تعانيه.

ما بك يا حبيب القلب؟  مالي أراك اليوم حزينا بائسا يائسا؟ رسالتك حمّلتني أوجاعا وأشعرتني بضعف وخذلان, لا أعلم سر ذهولي، ولربما تعودت أن أقرا لك كيف كنت تتحدى الوجود وكيف علّمت الصبر أن يصبر حينما كانت رسائلك تزيدني قوة وصبرا في كل مرة وكانت تجعلني أتحدى الصعاب في غربتي هذه, أما اليوم فأراها مفعمة بمشاعر ألم لم أعهده فيك. 

لربما غاب عن بالي كل الأسباب التي ساقتني بها رياح الهجرة لأشق دروب الصعاب, فالأسباب كثيرة ولربما أهمها الإحساس الذي سيطر علي بأنني سأواجه قريباً ذلك اليوم الذي تسيدت فيه الكراهية على مصيرنا.

نعم لذلك اخترت أن أحترق بنار الغربة على أن لا تحرقني النار وأنا في وطني، وأنت تعلم أن النار الثانية  أشد وطأة من الأولى لأن في النهاية لا لوم على الغربة لو قست علينا.

نار وطني لسعتني وألسنتها تُكفّر ذات اليمين وذات الشمال، وكياننا وكيان أجدادنا ابتلعته أمواج التجاذبات حين أكمل القدر الجديد مشوار ما سبقته من أقدار ليتناسى من نحن, نحن أحفاد سومر وبابل وأشور, نحن كنا ومازلنا, نحن من شارك أخوتنا السراء والضراء, نحن من تقاسم الهموم والأفراح, نحن قدمنا الضحايا واختلطت دمائنا مع دماء أخوتنا على مذبح الأرض أجيالا بعد أجيال.

ألمي يمتزج مع ألمك, وهناك الكثيرون يتألمون وينظرون بشوق إلى ذلك الوطن وينتظرون لحظة أن يناديهم بعدما هجروه مرغمين.

 أيها الحبيب أقول لك لم تعد هويتي مجهولة، فحبيبة قلبك لم تعهد أن تخفي رأسها كالنعامة تحت الرمال, بل كنت طوال الوقت مزهوة مرفوعة الرأس وأنا أنادي باسم العراق، فلا تبالي لان لقائنا بالوطن قريب.

يؤلمني يا حبيبي أن أقرأ حروفك الحزينة وأنا التي لم أعهد  في قلبك المرهف سوى شذرات المحبة وطعم الطيبة ورائحة السلام, لا تقلق فالطحالب لن تعمر طويلاً بين الشجر الوارف الظلال.

 لطالما كان حبك جنوني وحبي سر جنونك نشدو معا ونعيش في واحة كحمام السلام، نطير هنا وهناك كي نضع البلسم على الجراح حاملين رسالتنا التي أقسمنا أن نحملها مهما كانت العواصف قاسية، ولنترك فسحة لتأملاتنا ولإشتهاء وجودنا سوية، وحينما تناديني فأنك تجبر روحي أن تغادر جسدي لترحل إليك وتحتويها بكل قوتك.

عذراً يا حبيب القلب، أخبر كل نصب ببغداد  بأن نفحاتهم الطيبة  هي التي زرعت فيّ حبي للفن, ومن أجل رموزها درست أصوله، وحتماً سأعود إليهم يوما ما وأقف أمامهم راويا لهم هموم غربتي وشوقي الذي لم ينطفئ, حدثهم  عني وأنا  أقف على المنصة في قاعة الجامعة أتفاخر بهم وبتلك الأيادي الرائعة التي صنعت نصباً لهم حتى صار زملائي ينتظرون حكاياتي الجديدة عنهم بكل شغف.

لم يكن في حسباني ما وصل إليه حالهم في هذه الأيام، لأني كنت ومازلت أحمل تلك الصور الرائعة عنها، حتى تلك الرموز سرقوها, فجروها, شوهوا معالمها، واعتقدوا أنهم نالوا منها وقللوا من شأنها، لكن هيهات وهيهات فهي صمدت كصمودنا, وتحدت كتحدينا، فقد صبرت رغم طعناتهم لها وبقيت منتصبة شامخة وظلت أجسادها مقدسة فلم تنالها أياديهم القذرة.

عندما نقلت لي الأخبار عرفت مدى الأذى الذي أصاب هذه النصب, رموز مدينتي الجميلة بغداد، وتملكني شعور غريب وهو أن عدوي أراد أن يمزق ثوبي وحاول أن يعرّيني ولكنه لم يفلح سوى أنه تمكن من انتزاع قطعا صغيرة منها, لكني بقيت صامدة وبقيت أنا أحيا كما كنت في عهدي السابق لأثبت لعدوي من أكون أنا.

حدثتني عن نصب الحرية وكيف عزفت لحنك الحزين عنده، بعد أن جعلوا من الحرية هشة كورق, فلا تهتم وأنصت لعزف روحك الطيبة.

 قد تعوّد والدي أن يأخذنا إلى حدائق أبو نؤاس حيث تجتمع العائلات هناك لتتمتع بأجمل الأجواء, حيث نهر دجلة  ونقاءه, والسماء الصافية والأضواء المغرية.

أما أنا فكنت في كل مرة أمسك بيد والدي لأشير له بإصبعي إلى تمثال أبو نؤاس وأتوسل أن يأخذني إليه، وعندما نصل هناك كنت أقف أمامه بصمت دون حراك،  كان يشدني إليه بأعجوبة كأنها قوة السحر وكأنه يريد أن يحدثني عن سر، أذكر جيدا كم كنت أود أن ألمس ذلك الكأس الذي كان يحمله, لأني كنت أشعر أن هناك سر ما  في ذلك الكأس، فعندما سرقوا كأسه أحسست كأنهم سرقوا مني حلم من أحلام طفولتي.

وأما عن كهرمانة فأقول نعم هي رمز للغواني،  ولكنها تمكنت أن تتحدى الأربعين حرامي وهي الجارية الضعيفة  فكيف بنا نحن لا نتمكن من قهر اللصوص ونلتزم الصمت ونندب حالنا.

وأرجع لأقول الآه...والآه...علينا أن نقيم النصب لكل امرأة عراقية شامخة مضحية صبورة وهي بأجمل زينتها تقف تتحدى الزمن الذي ولى وتتحدى الزمن القادم. فهي بحبها, بصبرها, بطيبتها، بتضحياتها سكبت الزيت الحار على كل من حاول مس كرامتها، فهي العراقية التي كتمت أفواه الشواذ وخنقت الأنفاس المسمومة.

أما السياب فلومه لنا مقبول, فكم هفوة منا تحمّل، وبدلا من تمجيده كافأناه بتمزيق جسده بالرصاص, كأننا نقول له تبا لك فأنت تستحق ذلك لأنك عشقت العراق!

وعندما اقتربت من عباس بن فرناس شعرت بالخوف عليك, خشيت  أن يقنعك أن تعيد تجربة الطيران, لتنتهي وأنت ضيفا عنده وبجانبه... فشكرت ربي!

وسألتك روحي عن عبد المحسن السعدون فبدلا من أن تفرحني أحييت الحزن فيّ, فعلمت أن معالمه لم تسلم من السرّاق وغدر الزمان.

فبرغم كل ما سمعت كنت أتمنى أن لا تحمل لي نبأ  آخر يحزنني على حبيبتي شهرزاد, فهل يا ترى كما تركتها؟ ولكني دهشت عندما كتبت لي أنها حزينة بعد أن بتروا يدها وأشاح شهريار وجهه عنها. فتساءلت وكيف لا يشيح وجهه, وهو قد تعود الجلوس أمام حسنها لألف ليلة وليلة يستمع إلى أنغام صوتها الدافئ ينظر إلى أعماق روحها الرائعة ليتباهى بعقلها الراجح الذي سبت به العباد وسبته, وبدلا من كل هذا حل محلها وجوه جديدة سمح لهم الزمان أن يتراقصوا على عذابها.

وصرخة آه أطلقها وقد نسيت نفسي لأتساءل هل يعقل أنهم سرقوا عصا عبد المحسن الكاظمي؟ لأتراجع والإحساس بغبائي وماذا يعني أنهم سرقوا عصاه البرونزية, فعصاه الحقيقة محفوظة في قلوبنا وكيف لا وهي من صنعت من جذع شجرة عراقية.

حبيبي ، سعيك المتواصل معي  ومع الآخرين هو الطقس الإلهي المقدس الذي يناسب هذا الزمان, زمن ساد فيه الكره والحقد، فلا تجعل خطواتك تنطفئ مهما كانت طرقك مقفرة، فأرفع قوامك الجميل مفتخرا لأنك لست وحدك, فذكرياتنا تحفزنا وشوقنا لبعضنا يدفعنا، وحينما سنلتقي سوية مع كل أصحابنا الطيبين فأننا سنقتل ذلك الحزن فينا وسنجعل أيامنا الباقية شعلة من المحبة والسلام. فلا تجعل عيناك تدمع لأنها تقتلني وستقتل فيّ الأمل، أخبرني  دائما أن أنصار الحب مازالوا يعملون ومهما تعبوا فلن تنال منهم يد الجزار, لأنه حتما سيتراجع مخذول.

 نعم يا حبيبي فقد وصلنا لمشهد المسرحية الأخير, نعم عشنا أحداثها, بحلوها ومرها، فقد جعلتنا نضحك ونبكي ونصفق وفي النهاية لابد أن تسدل الستار، فالحياة مسرحيات وأبطالها يتغيرون, ونبقى نحن المتفرجون والمستمتعون.  

حبيبي أعلم أن غيابي عنك قد طال وأنه أوجع قلبك, ولكني سآتي قريبا وسأحمل على صدري كل ما جمعته لي من فراشات وزهور وأصداف وسأتجول معك في عربتك التي عشقت الجلوس بها وأنا بقربك, ونحن نتجول من جديد في شوارع بغداد رغم ما أصابها من خراب, وسيأخذنا طريقنا نحو الشناشيل, وحينها سأطلب من الزمن أن يتوقف هنا, وأن يعود إلى الخلف، وسأجعله يقلّب صفحاته ليقرأ ما دوّن عن بلادنا في التاريخ, ليراجع حساباته من جديد, وننتزع منه حدا لعذاباتنا، فيكفينا الفراق، وقد قررت العودة لأنعم بحياتي معك.

سنخلق معا حياة جديدة, ونحمل بأيدينا أغصان الزيتون نلوح بها.