على ضفاف نهر الزاب

بقلم:   داود بيت ابونا

الحلقة الثالثة ـ  الخديعة                       

ـ  مرحبا يا انويا. كيف حالك وحال الآخرين؟ كم أنا مشتاق لرؤيتكم جميعا.

ـ أهلا بك يا زيّا. متى جئت وكيف وصلت؟ تعالى واحكي  لي القصة.

ـ وصلت لتوي ، والقصة طويلة ، سأحكيها لك فيما بعد. أين العم اوراهم؟

ـ لما هذه العجلة؟ هل أنت مشتاق الى هذه الدرجة لرؤية حميك أم أن إبنة عمي هي المتلهفة لرؤية والدها؟

ـ لا يا انويا، ليست المسألة مسألة اشتياق أو لهفة، بل هناك ما هو أهم من ذلك أريد إبلاغه للعم أوراهم وللقوم كلّهم. ثم أنّ إبنة عمّك ليست معي فقد جئت لوحدي.

ـ ماذا تقول يا زيّا؟ أين تركت زوجتك وجئت؟ وماذا تريد من قدومك بهذه الطريقة؟

ـ إنها في أمان عند أقاربنا في بيبالك ، فلا تخشى عليها. أمّا سبب مجيئي والعجلة التي أنا فيها فستعرفها عندما أقابل العم أوراهم والآخرين وأخبرهم بالأمر، فليس لدينا وقت نضيعه ألآن. ارشدني إلى مكان وجود القوم.

يذهب انويا مع زيّا إلى السقيفة " قوبرانا " التي يسكن فيها أوراهم وعائلته.

ـ سلام عليك يا عم أوراهم.

ـ مرحبا بك يا زيّا.

ـ كيف حالك وحال الأهل يا عمي؟ 

ـ شكرا لله ، نحن بخير ونسأل عنكم. كيف حالك أنت وكيف حال إبنتي؟  لا أراها معك ، أين تأخرت؟ ألا تريد أن ترى أباها وأهلها؟ أليست مشتاقة إلينا؟

ـ نحن أيضا بخير يا عمي. أمّا عن سؤالك عن إبنتك فإنها ليست معي. لقد جئت لوحدي لأن الطرق غير آمنة كما تعلم وصعبة خاصّة بالنسبة للنساء.

ـ ماذا تقول يا زيّا. كيف هربت لوحدك ، وأين تركت إبنتي؟ لا أكاد أصدق أذني.

ـ لا تقلق يا عمي ، فهي بخيرعند أنسابنا في بيبالك.

ـ كيف تركت زوجتك وجئت نافذا بجلدك؟ هل جننت يا رجل؟ أم أنك فقدّت شيم الرجال؟

ـ لا يا عمي ، المسألة ليست كما تعتقد. فأنا لم أهرب بل هناك أمر هام ورسالة جئت أبلّغكم إياها.

ـ ما هي رسالتك؟ هات ما لديك يا زيّا، فلقد أتعبت أعصابي بتصرّفك.

ـ إنها رسالة من الحاج رشيد بك.

ـ أين الرسالة؟

ـ الرسالة شفهية يا عمي.

ـ ماذا يريد الحاج رشيد بك منّا؟

ـ يريدكم أن تعودوا إلى قراكم وبيوتكم التي هي في إنتظاركم.

ـ هل قال لك ذلك بنفسه؟ أين قابلته يا زيّا؟

ـ لم أقل أنني قابلته يا عمي.

ـ لكن كيف أخبرك برغبته في أن نعود؟

ـ لقد أرسل شخصا أخبرنا بذلك.

ـ لا تصدّقه يا عمي ، إنه يكذب. أنظر إليه جيدا. إنه قد حلق رأسه وأصبح واحدا منهم.

ـ أسكت يا انويا ولا تتكلم ،  فلا حاجة لنا بآرائك المتطرفة كالعادة. يوجد هنا من الرجال الحكماء ما يكفي لمناقشة هذا الأمر وفهمه على حقيقته. من هو الرجل الذي أرسله الحاج يا زيّا؟

ـ قال  أن إسمه حسن ولا أعتقد أنك تعرفه يا عمي فهو ليس من منطقتنا.

ـ إنه يكذب يا عمي ، كما قال أخي انويا.

ـ أسكتي يا سينم. متى أصبح للنساء حق الكلام بحضرة الرجال والتدخل في أمور خطيرة كهذه؟  لكن يا زيّا ، كيف يرسل الحاج إلينا رسولا ممن لا أعرفهم؟

ـ هل سمعت يا عمي ، إنه يكذب كما قلنا لك قبل قليل. إذا صدّقناه وفعلنا كما يقول فإننا سنرمي بأنفسنا فى التهلكة. هل تستطيع أن توضّح لنا لماذا حلقت شعر رأسك يا زيّا؟

ـ إنني فعلت ذلك يا انويا لكي أموّه على الألاف الذين مررت بهم في طريقي إليكم. هل تعتقدون أن إختراقهم هو بهذه السهولة؟ ثم كيف تشكّون ولو للحظة واحدة بأنني سأخونكم؟ ألستم جميعكم أهلي وأقاربي ؟

ـ نحن لا نشك بك يا زيّا ، لكن هل تستطيع أن تجيب على سؤالي وتوضّح ما قاله مبعوث الحاج رشيد بك؟

ـ أكّد الرجل وأقسم بأن الحاج أستغرب عندما علم بأنكم قد غادرتم قراكم ، وأنه أرسله لكي يعلمنا بموقفه المساند لنا واستعداده لحمايتنا من الإعتداءات ، أيّا كان مصدرها.  فأنت تعلم يا عمي مدى إحترام الحاج لك ، ومدى ثقته بك والعشرة الطويلة بينك وبينه ، وما قدّمناه له طوال حياتنا. أما سبب إرساله لهذا الرجل ربما يكون لعدم توفّر غيره ممن تعرفهم.

ـ إن ما تقوله عن الذي  كان بيننا وبين الحاج  صحيح يا زيّا ، لكن الأمر تغير الآن بعد مغادرتنا بروار دون علمه ، وربما يعتبر ذلك خيانة من جانبنا وتعاون مع أعدائه.

ـ لو كان الأمر كذلك لما أرسل الرجل إلينا لنبلغكم بموقفه وطالبا منكم العودة. إنه قلق عليكم وعلى عوائلكم من الغربة والحرب الدائرة هنا والجوع والمرض، ويخشى أن يصيبكم مكروه في هذه البقاع الغريبة بعيدا عن أهلكم ودياركم. لما كل هذا العذاب وأنتم أهل عز، لكم أرضكم وحقولكم ومزارعكم وبيوتكم التي تنتظركم ، والتي يطمع بها آخرون؟

ـ لمن هذا الكلام يا زيّا ، لك أم للأمير؟

ـ إنه كلامه هو، نقله الرجل إلينا.

في هذه الأثناء يتجمّع الرجال من اقري ومالخثا في سقيفة أوراهم لملاقاة زيّا  والإستماع إليه وإلى الأخبارالتي جاء بها من بروار.

ـ ما رأيكم يا رجال بما يرويه زيّا؟

ـ إن ما يقوله فيه الكثير مما ينبغي دراسته جيّدا والتفكير فيه. نحن هنا في غربة ، ورغم تقديرنا لما يقدمه لنا أبناء المنطقة من مساعدات ، إلا أننا نعاني الكثيرولا ندري ما الذي يخفيه لنا القدر وكيف سيكون المستقبل. الهجمات مستمرة ومتواصلة من كل الإتجاهات والأطراف ، ولا أحد يدري كم من الوقت سيكون بمقدور أهل تياري الصمود أمام هذه الأمواج البشرية الهائلة المدججة بأنواع الأسلحة المتطورة ، هذه الجموع التي تستميت للسيطرة على المنطقة وإبادة أبنائها. وإذا بقينا هنا فإننا نربط مصيرنا بمصيرهم.

ـ ماذا تقصد يا اسحق؟

ـ لا أقصد شيئا وإنما اردّت أن أوضّح الصورة فقط.

ـ إن ما يقوله اسحق صحيح ، فمعاناتنا كبيرة وأطفالنا يموتون أمام أعيننا ونحن عاجزون عن فعل شئ ، ونساؤنا بدأ المرض يفتك بهنّ وما عدن يتحملّن الأعباء الثقيلة والشحّة في كل شئ من غذاء وماء وكل متطلّبات الحياة. حتى أن مضّيفينا بدأوا يتضايقون تدريجيا من وجودنا بينهم ومزاحمتنا لهم في القليل الذي بقي لديهم ، وهذا من حقهم لأن الحرب طال أمدها وستطول أكثر والقوم يخشون من مجاعة قادمة. لكن من ناحية أخرى فإن العودة فيها مجازفة حيث لا ندري مدى الصدق فيما يقوله زيّا ، مع احترامي وتقديري له على ما تحمّله من مشاق السفر للوصول إلينا وإبلاغنا برغبة الحاج رشيد بك وإستعداده لحمايتنا.

ـ ما يقوله الشماس موشي عن موقف البعض من أهالي المنطقة صحيح ، فقبل أيام حصلت مشادّة بين بعض الشباب من أبناء المنطقة وبين نسائنا في أحد الكروم حيث كنّ يجمعن ورق العنب.

ـ لماذا لم تخبروني بذلك؟ ومن هم الشباب الذين تجاوزوا على نسائنا. إن أهل أثرا درومتا الذين نحن في ضيافتهم أهل كرم وأخلاق وأصول ولن يقبلوا بذلك ، ولا بدّ أن هذا العمل قام به بعض السفهاء دون علم الكبار.

ـ لا بدّ أن الأمر كما تقول يا أوراهم ، والمسألة انتهت دون إشكالات ، لذلك لم نود إطالة الحديث عنها.

ـ إذن لنترك ذلك ونعود إلى موضوعنا. ما العمل وكيف سنتصرّف الآن؟

ـ الرأي رأيك يا اوراهم فأنت أدرى منّا جميعا بما يجري ويدورمن أحداث وما يتوجب عمله.

ـ لكن الوضع معقّد جدا يا شمّاس خنانو، وليس من السهل إتخاذ قرار فيه دون مساهمة جميع المعنيين ،  لذلك يجب أن نناقش التفاصيل مع بعضنا البعض ونخرج بقرار يكون لصالح عوائلنا ومستقبل أطفالنا.

ـ الحق معك يا اوراهم فالمسألة خطيرة للغاية ولا تقبل الخطأ ، لكن الظروف تضغط علينا بإتجاه الإسراع بإتخاذ القرار.

ـ ماذا ترى يا شمّاس خامس؟ لم أسمع منك رأي حول الموضوع.

ـ ماذا أقول يا أوراهم؟ ليس من السهل أن يقول المرء شئ في مسألة بهذاالغموض والتعقيد. نحن أناس مسالمون نكره الحرب وما تجلبه من مآسي وكوارث  لنا أ وللآخرين ، وقد أجبرتنا الأحداث على الهروب وترك كل ما نملك في سبيل حماية عوائلنا من شرور تعرّض لها أبرياء من أبناء شعبنا في مناطق عديدة من بلادنا. ولكن من يفهم هذا المنطق ومن يتعامل معنا من هذا المنطلق؟ لا ندري ما كان سيحدث لنا لو بقينا في قرانا. ربما كان من الأ فضل البقاء كما فعل زيّا وأهل بيبالك ، لكن الأوان قد فات الآن وتعقّدت المسألة وأصبحنا في عنق الزجاجة كما يقال ، وإذا عدنا الآن ربّما نتعرض إلى عقاب شديد بتهمة الخيانة والتعاون مع التياريين والمارشمعون الذين يعتبرون متمردون وأعداء الدولة والعشائر الكردية الموالية لها ومن ضمنهم الحاج رشيد بك نفسه.

ـ وماذا تقول أنت يا شمّاس إسرايل؟

ـ لا أدري ماذا أقول ، فليس هناك شئ أستطيع إضافته لما قاله الشمّاس خامس والآخرون.

يستمر النقاش ساعات طويلة ، وتطرح آراء مختلفة ومتعارضة ، ويختلف القوم في المواقف ، لكن قساوة الظروف وسوء الأحوال الماديّة والنفسية وسيطرة اليأس على أغلب الرجال ، خاصّة كبار السن وأصحاب العوائل الذين يرون معاناة أطفالهم ونسائهم أمام أعينهم وهم عاجزون عن تقديم يد العون والقيام بأي شئ لمساعدتهم،  وعدم وجوء بصيص من الأمل  في إمكانية الخروج من هذا الموقف الصعب  يجعل الجميع عرضة للإستسلام لمشيئة القدر وقبول أي حل ، كالغريق الذي يتعلق بقشّة لعلّها تنقذه  من الغرق. في النهاية يتم ترك الأمر والقرارالحاسم والأخير لأوراهم ، أكبرهم سنا وأكثرهم خبرة في الحياة وأمور الدنيا حسب اعتقادهم.

في صباح اليوم التالي يجتمع الرجال في سقيفة اوراهم للإستماع إلي القرار المصيري بشأن بقائهم أو العودة إلى قراهم التي هجروها قبل حوالي ثلاثة أ شهر.

ـ صباح الخير يا أوراهم.

ـ صباح الخير يا رجال.

ـ كيف حالك اليوم؟

ـ ربما لن تصدّقوا إذا قلت لكم أنني لم أنم ولو للحظة واحدة طوال الليل.

ـ لماذا يا أوراهم؟

ـ بسبب ما ألقيتموه على كاهلي من مسؤولية جسيمة لا يمكن لرجل أن يتحملها.

ـ لماذا تعتبرها جسيمة إلى هذا الحد يا أوراهم؟

ـ لأنها كذلك يا هسدو ، فقد حمّلتموني ثقلا لا طاقة لي به.

ـ ولكننا أعطيناك الكلمة الأخيرة في هذه المسألة المصيرية لثقتنا بك وبإمكانياتك في إدراك الأمور المعقّّدة وإيجاد حلول مناسبة لها. أليس الأمر كذلك يا رجال؟

ـ بلى يا كوركيس ، فثقتنا بشقيقك ومعرفته بأحوال الدنيا هي التي جعلتنا نضع مصيرنا بين أيديه.

ـ ولكن المسألة أكبر من ذلك وأعقد يا مرخايي ، فهي مسألة حياة أو موت للعشرات من الرجال ولعوائلهم وأطفالهم. وأنا واحد منكم ولا أملك من المعارف والمعطيات ما يكفي لحسم قضية بهذه الخطورة ، خاصّة في هذه الظروف الصعبة والغموض الذي يحيط بها من كل جانب.

ـ ولكن  يتوجب علينا الخروج  من هذا الموقف بطريقة ما وبأي شكل من الأشكال ، وقد تركنا الأمر لك منذ الأمس يا أوراهم ،  ونحن الآن  بانتظار رأيك لأننا لا نملك الكثير من الوقت  فالأحداث تتسارع  وعلينا إستباقها والتصرف بسرعة قبل فوات الأوان. أليس كذلك يا رجال؟

ـ بلى يا خوشابا ، يجيب الرجال بشكل جماعي.

ـ إن كان الأمر كذلك  وكنتم جميعا مقتنعين بترك الأمر لي فأنا أرى أن المكوث هنا ما عاد ممكنا للأسباب التي طرحناها وناقشناها بشكل مستفيض في الليلة الماضية.  لذلك  فأنا أميل إلى العودة إلى أرضنا وقرانا وبيوتنا ، رغم ما قد يصيبنا جرّاء ذلك.  فماذا تقولون؟

ـ الرأي رأيك يا أوراهم؟

ـ هل أنتم  جميعا موافقون؟

ـ  لكن يا عمي ، ألا ترى أن قرارك هذا خطير وفيه مجازفة بأرواح الناس؟

ـ هل  لديك حلّ آخر فيه ضمان لحياة الناس وسلامتهم يا انويا؟  هل تبقى أنت الذي  تعارضني على الدوام وأنت ابن أخي وأقرب الناس إلي؟

ـ أنت تعلم مقدار حبي وإحترامي وتقديري  لك يا عمي ، وكذلك مدى كرهي للوقوف في وجهك ومناقشة ما تطرحه من آراء وما تقرره ، لكن المسألة خطيرة جدا هذه المرّة وينبغي مناقشتها من كل جوانبها قبل إتخاذ القرار النهائي فيها ، أليس كذلك يا قوم؟

ـ لا تستمر في مناقشة عمك بهذه الطريقة يا ولدي  فهو أعرف منك ومنّا جميعا بهذه الأمور.

ـ نعم يا انويا إنك تطيل الكلام مع عمك ، وهذا لا يليق بك كشاب في مقتبل العمر تنقصك الخبرة في الحياة ومعرفة اسرارها.

ـ كما تشاء ياعمي طليا. إن كنتم جميعا على إتفاق مع  رأي عمي أوراهم  فليس لدينا ما نضيفه ، بل علينا الإسراع بإعداد أنفسنا وعوائلنا للرحيل.

ـ نعم ، علينا الإسراع في الإعداد للرحيل ،  كما يجب البحث عن  أفضل الطرق وأكثرها أمانا للوصول الى منطقتنا،  وأعتقد أن زيّا أكثرنا معرفة بهذه المسألة لأنه آخر من جاء من هناك ويعرف الطرق الآمنة من غيرها. أليس كذلك يا زيّا؟

ـ نعم يا عم شمعون ، لا تفكروا بالأمر فأنا مستعد أن أتولى مهمة الطريق من هنا إلى منطقتنا ، وإنشاء الله سنصل جميعا بسلام وتنتهي معاناتنا وتصبح هذه الأيام الصعبة مجرد ذكريات لا غير.

ـ  نتمنى ذلك يا زيّا ، ونأمل أن تستطيع إتمام هذه المهمة الصعبة التي ألقيناها على عاتقك. إنك بذلك تكون قد قدّمت خدمة كبيرة لأقاربك وأبناء جلدتك لن ينساها أحدهم لك مدى الدهر.

ـ أطلب من الله أن يمكنني من ذلك يا عم أوراهم. كما انني لا أستطيع الإستغناء عن عونكم وإرشاداتكم فالبركة فيكم أنتم الكبار ونبقى نحن الشباب دائما بحاجة ماسّة إلى طلب المشورة منكم في كل خطواتنا وأعمالنا.

ـ بارك الله فيك يا ولدي.

يتم الإتفاق على الإجراءات اللازمة للرحيل ويتقرر أن يقوم أوراهم بإخبار المضيفين من أبناء تياري العليا الكرماء والآخرين من أبناء العشائر الآشورية الموجودين في المنطقة،  بقرار الرحيل وما يتطلب ذلك من إجراءات ونوع المساعدات التي يمكن تقديمها لهم للمرور دون إشكالات  في المناطق التي يدور فيها قتال بينهم من جهة وبين الجيش التركي والعشائر الكردية من الجهة الأخرى.

يفترق القوم ويذهب كل واحد منهم إلى عائلته ليخبرهم بالقرار ولكي تبدأ إستعدادات الرحيل. أما أوراهم فيذهب للقاء بعض وجهاء المنطقة لإخبارهم بقرار العودة.

ـ ما هذا الكلام الذي تقوله يا أوراهم؟

ـ كما قلت لكم ، فإن القوم قرروا العودة رغم ما في ذلك من  مخاطر؟

ـ كيف ومتى اتخدتم هذا القرار الخطير و ما الذي دفعكم لإتخاذه؟

ـ  إن رشيد بك قد أبلغنا برغبته في عودتنا إلى ديارنا وإستعداده على حمايتنا.

ـ ولكن هل لديكم ثقة بهذا الرجل بعد كل ما فعله هو ورجاله بشعبنا؟

ـ إنّ معاناة عوائلنا وعدم قدرتنا على الإستمرارعلى هذا المنوال هي أيضا من العوامل التي ساعدت على إتخاذنا لهذا القرار.

ـ هل بدر أي تصرف من أحدنا أساء إليكم أو أزعجكم؟

ـ لا بالعكس ، فقد كنتم كرماء معنا رغم ظروفكم الصعبة. ولا نستطيع الإستمرار بالإثقال عليكم.

ـ قل الحقيقة يا أوراهم ، هل أزعجكم أحد من شبابنا؟ لقد سمعنا بما حدث في الكروم وقد أنّبنا الشباب على فعلتهم وأقسموا بأنهم لم يقصدوا الإساءة ، وإنما كانوا يمزحون فقط.

ـ لا يا رجل ، قرارنا في العودة لا علاقة له بهذه الأمور البسيطة. إن إستضافتكم لنا وحسن تعاملكم معنا  والحماية التي وفرتموها لنا ولعوائلنا سوف تبقى خالدة في ذاكرتنا وذاكرة أولادنا وسنورثها لأحفادنا والأجيال القادمة.  كل ما هناك أن القوم ما عادوا قادرين على الإستمرار على هذا الحال، لذلك قرروا العودة وتسليم أمورهم إلى الله.
ـ القرار قراركم ، لكن حرصنا وخشيتنا عليكم من بطش الأعداء ووحشيتهم هو الذي يجعلنا نطلب منكم إعادة النظر في قراركم والبقاء معنا، فأرضناهي أرضكم ومالنا مالكم،  وأبوابنا لازالت وستبقى مفتوحة أمامكم، ونطلب المعذرة عن التقصير تجاهكم.

ـ لا بالعكس ، فقد كنتم أهل كرم معنا، كما هو معروف عنكم دائما ، ونشكركم على كل ما قدّمتموه  لنا طوال فترة مكوثنا بينكم.

ـ ومتى قررتم الرحيل؟

ـ غدا صباحا بحول الله.

ـ اطلبوا ما تشاءون من مساعدة. سنرسل معكم مجموعة من المقاتلين لمرافقتكم إلى خارج مناطقنا،  وإلى أبعد من ذلك إن شئتم.

ـ شكرا جزيلا.  يكفي ما قدمتموه  لنا لحد الآن  ولا نريد أن نثقل عليكم أكثر من ذلك.

صباح اليوم التالي تبدأ مسيرة العودة. طابور من الرجال والنساء والأطفال من مختلف الأعمار يتحركون من تياري العليا جنوبا إلى تياري السفلى بإتجاه  بروار. التعب والقلق يبدوان واضحين على ملامح الجميع وحركتهم.  قبل حوالي ثلاثة أشهر كانت المسيرة بالإتجاه المعاكس وكانت الأحوال مختلفة. صحيح كانت مسيرة محزنة لأن القوم تركوا يومها أرض الأجداد ، إلا أن القوم كانوا في صحة أفضل مما هي عليه الآن بعد هذه المدة من المعاناة بسبب الغربة والقلق والحزن والخوف وعدم الاستقرار والشحة في كل شئ من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وشروط النظافة وغير ذلك من مقومات الحياة. المسيرة الآن بإتجاه أرض الأجداد التي يحن إليها الكل ، مما يعطيهم نوع من القدرة على التحمل والأمل  في بلوغ  شكل  من اشكال الإستقرار،  لكن  في الوقت نفسه فإن المسيرة تتجه نحوالمجهول ، حيث لا أحد يعلم ماذا ينتظرهم وماذا سيحدث عندما يغادرون حدود المناطق التي لا تزال سالمة من الإحتلال.  ينال التعب من الجميع خاصة النساء والشيوخ  والأطفال،  لذلك  يتم اختيار مكان آمن  للراحة قبل الوصول إلى المناطق التي سقطت بأيدي الجيش التركي والعشائر الكردية.  بعد قسط  من الراحة ،  يقرر القوم السير ليلا وفي المسالك البعيدة عن الطرق العادية المعروفة والتي تعج  بالمسلحين وذلك  لتقليل فرص الالتقاء بهم والتعرض لمواقف لا تحمد عقباها،  لحين عبور منطقة تياري والدخول في بروار حيث تختلف الأمور بسبب معرفة القوم بتفاصيل جغرافية المنطقة وشعابها ومسالكها ولكون الحاج رشيد بك هو المسؤول فيها وبإمكانه بل من واجبه حمايتهم في حالة تعرّض الغير لهم،  خاصّة وأنه هو الذي أرسل في طلبهم. الطريق طويل وشاقّ و محفوف بالمخاطر،  لكن زيّا يستمر بطمأنة القوم ويحاول قيادتهم عبر الطرق التي تجنبهم الإلتقاء بأحد،  نفس الطرق التي سلكها عندما جاء من بروار ليقنعهم بالعودة.

 أغلب المناطق التي كانت مأهولة بالسكان  قبل مدّة قصيرة وكل القرى التي يمرون بها اليوم يجدونها خالية من سكانها كليّا ، مدمّرة  ومحروقة.

ـ لماذ لا يوجد أحد في هذه القرى يا جدّي؟

ـ لأن كل الذين سلموا من المجازرالوحشية وبقوا على قيد الحياة هربوا وتركوها أمام زخم الهجمات البربرية للأعداء وأزيزالمدافع والقنابل المدمّرة.

ـ ولكن لماذا يحرقون ويدمّرون القرى والبيوت والمزارع  وكل شئ؟ أليست مشكلتهم مع الناس من أبناء شعبنا الذين يعتبرونهم كفّار ومتمردون وخونة؟ ما هي مشكلتهم مع الأرض والحيوان والنبات؟ هل هم أيضا كفّار وخونة؟ 

ـ لأن هؤلاء الغزاة مثلما يعرف عنهم تفننهم في القتل والتنكيل بخصومهم من البشر،  فمن المعروف عنهم قدرتهم على التدمير السريع  والكامل  لكل شئ يجدونه أمامهم من ممتلكات الغير، وهذا ناتج عن الحقد على الآخرين وعقدة الشعور بالنقص لعجزهم عن  بناء وتشييد أي شئ  له علاقة بالحضارة والتطور، وعدم قدرتهم على الإنتاج  والإبداع  في المجالات المادية والروحية مما يفسر سلوكهم الطفيلي  في كل جوانب الحياة ،  فلا معتقدهم نابع  من داخلهم ولا لغتهم تكتب بأحرف وخط  من إبداعهم ولا الأرض التي يتواجدون عليها ويدّعون زورا ملكيتها، هي أرضهم.  إنهم كذلك عاجزون عن إنتاج  ما يسد رمقهم ورمق عوائلهم لأنهم لا يجيدون حرفة أو مهنة،  فيمتهنون الغزو والسطو على ممتلكات الآخرين وسلبها وقتل الأبرياء من أصحابها،  كبارا وصغارا  من دون تمييز، إرضاءا  لجوعهم النفسي لسفك الدماء الزكية إضافة لإشباع حاجاتهم الماديّة. إنهم في سلوكهم التدميري هذا يا ولدي يشبهون الذئب الذي اذا دخل بين قطيع من الغنم لا يأخذ حاجته فقط ، بل يفتك بمجموعة كبيرة من الأغنام ليشبع بذلك حاجته الغريزية للقتل والفتك بالضعفاء وسفك الدماء.

ـ إن سلوك هؤلاء خطر جدا على الإنسانية ، فكيف إستطاع أجدادنا العيش معهم وكيف يمكن لنا أن نثق بهم يا جدي؟ أنا خائف جدا. لماذا قررتم العودة للعيش مع هؤلاء ولماذا تركنا الناس الطيبين الذين أحبّونا وأكرمونا؟

ـ لا تخف يا ولدي فإن الله معنا وسيحمينا ويحفضنا منهم ومن شرورهم. 

ـ نعم،  إن الله  سيحمينا لأننا لسنا مثلهم،  فنحن مؤمنون ومسالمون ونكره القتل والعدوان والسرقة وكل الأعمال الشريرة التي تؤذي الآخرين. أليس كذلك يا جدي  ؟

ـ ذلك صحيح يا ولدي ،  فلنتّكل على الله ونضع أمرنا بين أيديه،  فهو وحده القادر على كل شئ ولا شي يحصل دون علمه ومشيئته.

ـ  ولكن يا جدي هل أنهم جميعا يفكرون بالطريقة الوحشية هذه في تعاملهم مع الآخرين؟   

ـ لا يا ولدي ، ليس جميعهم بنفس الدرجة،  لكن من الممكن أن يقع الجميع تحت تأثير البعض المتنفذ منهم وصاحب القرار والمصلحة  في هذا النهج. لأن من يريد الإستيلاء على ممتلكات الغير دون وجه حق يجب أن يجد مبررات لذلك في معتقدات الناس الذين يقودهم لكي يزجهم في هذه الأعمال الوحشية ويحرضهم على الفتك بأصحاب الممتلكات  فتخلوا له الساحة ويستولي على ما يملكون، ويكتفى البسطاء الذين يمارسون أعمال القتل وأنواع الجرائم ببعض الغنائم البسيطة كأن يحصل على بعض المواد المنقولة التي يتمكن من إخفائها عن أنظار السيد أو على ما يفيض عن حاجة السيد من الجواري والغلمان بعد قتل الرجال.

ـ من هم الجواري والغلمان يا جدي؟

ـ إنهم نساء وأطفال القوم الذين يتم غزو أراضيهم وقتل رجالهم ثم يتم سبيهم وإمتلاكهم من قبل الغزاة.

ـ ومن هم هؤلاء المتنفذون الذين يسيطرون بهذا الشكل على عقول هؤلاء البسطاء؟

ـ إنهم السلطان التركي وحاشيته وأجهزته وعملائه من مختلف المستويات وكذلك أغلب رؤساء العشائر الكردية الواقعين تحت نفوذ السلطان ورجاله والطامعين أيضا بأملاك الغير، يساندهم في هذا ويشاركهم الكثير من رجال الدين الذين يصدرون الفتاوي بتكفير غير المسلمين وحتى أتباع بعض المذاهب والفرق الإسلامية المخالفة لهم في الرؤِية.

ـ ولكن كيف ينفّذ الناس مشيئة هؤلاء في القتل وسفك الدماء البريئة دون وجه حق؟

ـ إنهم يعدونهم بالثواب والجنة في الآخرة إضافة إلى القليل الذي يصيبهم من غنائم كما أسلفنا.

ـ ولكن هل  يعقل يا جدي وجود أناس بهذه الدرجة من السذاجة والوحشية في آن واحد؟ أناس لا يفقهون شيئا سوى القتل والسبي والإستيلاء على ممتلكات الغير بالقوة. لماذا يفعلون كل هذا ، ولماذ يمضون وقتهم ويصرفون جهودهم في القتل والتدمير بدلا من العمل وتطوير حياتهم وحياة عوائلهم بشكل طبيعي وبالطرق المشروعة والمقبولة؟

ـ إنهم يعتقدون بأن ما يفعلونه شئ مشروع ، لأن شيوخهم  يبررون لهم ذلك بل يدفعونهم للقيام به. أما عن العمل وتطوير الحياة فإنهم لا يدركون ذلك ولم يتوصلوا إليه بعد لأنهم ينتمون إلى شعوب بدوية لا يجيدون الزراعة وغيرها من الأعمال والمهن والحرف المنتجة التي تخلق الإستقرار والتطور. إنهم يستسهلون الحصول على إحتياجاتهم من عرق الآخرين دون جهد أو عناء ، وعطشهم للإستيلاء على كل ما نملكه نحن وغيرنا من الشعوب الأصيلة في المنطقة  ليس له حدود. ربما يأتي اليوم الذي يدركون ما تقوله يا ولدي  لكننا سنعاني الكثير قبل حصول ذلك وستكون خسائرنا عظيمة لا يمكن تصورها اليوم.  ربما سنكون يومها بقايا شعب بلا أرض،  شعب مشتت ممزق يعيش غريبا على أرض كانت لأجداده لآلاف من السنين تم قضمها وأصبحت ملكا لآخرين دون أن يقبض ثمن لها، أو ربما شعب يعيش في الشتات أقلية هنا وأفراد هناك بين شعوب غريبة لا يربطه بها شئ سوى رابطة الإنسانية.